الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
146
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
حاكما عليه بدون مضاده . وبعبارة أخرى : أن الشفاعة التي هي التوسل بتلك الوسائل ، توجب إخراج هذا العبد من موضوع كونه ممن يجب عقابه للمخالفة ، وإدخاله تحت موضوع آخر ، وهو أنه بلحاظ تلك الصفات يكون ممن ينبغي أن يعفى عنه أو يصفع عنه ، وفي الحقيقة أنه تعالى كما جعل الأحكام الأولية سببا لأن تكون مخالفتها موجبة للعقاب ، فكذلك أنه تعالى جعل أسبابا ناشئة من لطفه ورحمته ، لإظهار عفوه وصفحه ، فالمجرم وإن كان بلحاظ جرمه محكوما بالعقاب ، إلا أنه بلحاظ استشفاعه ، وبلحاظ تحقق الشفاعة فيه ، وبلحاظ تلك الصفات يكون موردا للعفو والصفح . وهذا كما علمت ليس إبطالا للأحكام كما زعمه قوم ، بل تحكيم لأسباب أخرى ، قد جعلها الله تعالى في ظرف تحقق شرائطه ، وسيجئ قريبا أن الشفاعة في الحقيقة ترجع إليه تعالى أولا وبالذات ، ثم إلى غيره بالعرض أي بإذنه قال تعالى : من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه 2 : 255 ( 1 ) ثم إن الشفاعة كما يأتي بيانها إنما تكون مع تحقق شرائط في الشافع والمشفوع له لا مطلقا ، مضافا إلى ما علمت من أنها على القاعدة العقلية ، وليست مستلزمة لإبطال الأحكام الإلهية ، بل هي موجبة لإخراج موضوع عن موضوع حكم وإدخاله في موضوع آخر ، إلا أنه مع ذلك اشتبه الأمر على بعض ، فاستشكلوا على الشفاعة بأمور نذكر بعضها مع الجواب بعونه تعالى . الاشكال الأول : أن رفع العقاب بالشفاعة بعد ما كان ثابتا بمقتضى الحكم الأولي إما يكون عدلا وإما يكون ظلما ، فإن كان الأول ، فلازمه أن أصل الحكم الأولي يكون ظلما تعالى الله عنه علوا ، وإن كان الثاني فلا ريب في أنه لا يجوز نسبة طلب الظلم منه تعالى إلى الأنبياء لا في الدنيا ولا في الآخرة ، وجوابه أولا بالنقض
--> ( 1 ) البقرة : 55 . .